
بقلم: د. وائل إبراهيم الدسوقي ..
ونعلم أن هناك بعض المظاهر ساهمت في الانتقال من حالة الفوضى إلى النظام، وكانت الانطلاقة الأولى هي الحرب.. فكان المنظور الحربي هو السائد في المجتمعات القديمة، التي كانت تعتقد أن ذلك هو السبيل إلى المحافظة على القوة والنظام، فكانت التجمعات الأكبر تغير على الأصغر وتخضعها لسلطانها. ولكن بعد فترة زمنية ليست بالقليلة احتاجت تلك المجتمعات إلى قوى أكبر ليسيروا تحت لوائها، ولتفسير ما لا تفسير له بدونها.
ولقد لعبت الطبيعة في العصر القديم دورا مهما في إدراك البشر بوجود قوى عليا تتحكم بهم، وكان خيال البشر هو العامل المهم في تشكيل طبيعة تلك القوى الخفية التي كان يتمناها، فمثلا نراهم لا يحاولون البحث حول ماهية السماء وطبيعة الأرض، بل نجد الرجل يجمح بخياله ليقارن السماء بشيء مما تعوده في بيئته ويحبه، دون أن يتسائل عما إذا كان هناك أي تقارب بينهما، فقد شبه المصري - على سبيل المثال - السماء بالبقرة، وانعكس ذلك على فنونه، لنجد رسوما لبقرة في المعابد المصرية تمثل السماء. ورسم الصقر الذي يسبح بقاربه في الماء ليمثل إله الشمس وسيد الآلهة أجمعين. وهكذا أثرت شاعرية الإنسان القديم على تصوراته، التي تخيلها عن العالم والآلهة التي تسكنه.
ونفهم مما سبق أن الصورة الأولى للقوى الأعلى التي تخيلها البشر تمثلت في الآلهة، وأيقن الجميع أنه لا يمكن أن يراها أو يتعامل معها إلا رجل معين، هو نفسه الذي كان يمثل تلك القوى العليا، والوسيط بينها وبين المجتمع.
تلك القوى العليا التي اختلفت في مظهرها الذي تخيله البشر، فتارة في صورة بشرية، وتارة حيوانية، إلا أن الأكثر أهمية من مظهرها الخارجي، هو ما خلعوه على هذه الآلهة من أوصاف؛ وسبب ذلك هو أن بعض المجتمعات قامت بمد سلطان آلهتها خارج حدودها الأصلية، ومن ثم أصبح لزاما ألا يكتفي المتعبدون بما كان لهم من أوصاف كآلهة محلية، فاتجهوا إلى أن يكسبوا معبوداتهم أوصافا على نطاق أوسع، بأن جعلوها متصلة بالزراعة والحرف والحرب والتناسل ودفن الموتى.
وقد احتاجت المجتمعات القديمة إلى وسيط يستلهم إرادة القوى الخفية وينقلها للبشر، وأعطيت له بعض السلطات والاختصاصات، والمسائل العامة، فحكم البعض باسم هذه الآلهة، دون أن ادعاءات احتكار هذا الاتصال، ودون ادعاء الاستقلال عن هذه السلطة الخفية. ولذلك نشأت الرموز التي تمثل مكانة هامة في نفوس الأفراد. تلك الرموز والشعارات التي تعد من العوامل المساعدة على الاستمتاع بالحياة، وعلى إدراك العلاقات الإنسانية والأماني والعواطف، وخاصة إذا كانت في صورة من صور الرموز الدينية. ومن هنا نشأت بداية الملامح الأولى للأصيل صاحب القوى الخفية أو العليا، والوسيط الذي يتقرب أو يتفهم أحكام هذه السلطة، ومن هنا أيضا عرف أن هذا الوسيط إنما يمارس ما يمارسه من اختصاصات أو مهام بصفة عامة من خلال الأصيل، الذي يمثل مكانة مهمة لدى الأفراد وفي داخل أعماقهم المعنوي والروحاني.
وهكذا، فإن المظاهر الاجتماعية الأولى قد بدأت تفرق بين سلطة أصلية وسلطة وسيطة، وذلك دون أن يختلطا معا، ودون أن تنسحب طبيعة السلطة الأولى على الثانية، ولذلك نرى أن بداية التنظيم داخل المجتمعات في صورتها الأولى، ربما كان تنظيما من طبيعة اجتماعية لأنه على قدر الهدف تتحدد الوسائل.
ومع تقدم المجتمعات بدأت تظهر السمات الأولى للتنظيمات السياسية، التي اختلفت عن بعضها في الأسس والمفاهيم وطرق التطبيق، ولكنها ربما اتفقت في هدف أساسي يتمثل في تنظيم المجتمعات. وأصبح هناك أشخاص يقومون بالوساطة بين القوى العليا والمجتمع. وكلما ازداد المجتمع اعتقادا في مدى أهمية هذه القوى العليا، وتغلغلها في كافة المظاهر الاجتماعية، كلما ازداد تأثير السلطة الوسيطة على المجتمع، الذي أصبح أسيرا لها أكثر فأكثر مع مرور الزمن.
من هنا ولدت فكرة التفويض في الحضارات القديمة، فصاحب السلطة له اختصاصات شاملة، فوضه فيها المجتمع، فالحاكم في الحضارات القديمة كان يتمتع بممارسة كافة السلطات في الدولة (تشريعية وقضائية وتنفيذية)، كنتيجة طبيعية لاندماجه مع القوى العليا. وهكذا كان الملك ينظر إليه باعتبار أنه ينطق القانون الذي يصدر عن الإله. ويظهر ذلك جليا في الحضارة المصرية القديمة. أما في بلاد النهرين فقد كان الملك بعيدا عن السلطة التشريعية، إلا أنه كان يقوم بنفس دور الوساطة بين الآلهة والشعب.
وبمرور الوقت ازدياد الوعي بشكل الدولة ونظامها الإداري، فبدأت الدعوات لاستقلال السلطات، لكي يتمتع الفرد ببعض الحرية داخل المجتمع. وبذلك تتنافى النظم الجديدة مع الاعتقاد القديم بألوهية الحاكم أو وساطته؛ بعد أن أصبح هناك أكثر من جهاز يتولى كل منها سلطة محددة، سواء من الناحية التشريعية أو التنفيذية. ومع تطور المفاهيم، واختلاف الثقافات نتيجة تفاوت مستويات التعليم في المجتمعات، وسقوط فكرة ألوهية الملك ووساطته، أصبح لزاما وخاصة في أوساط العامة إيجاد رابطة بينهم وبين الإله.
وعلى الرغم من استقرار البشر على ديانات بعينها، وفهمهم للكتب السماوية التي نزلت عليهم، إلا أن العامة شغلوا أنفسهم بالبحث عن وسيط، فلجأوا إلى أماكن كثيرة أطلقوا عليها صفات القداسة، فيلوذون بأضرحة الأولياء والصالحين؛ يلتمسون عندها الشفاعة ويتقربون بها إلى الله. والأمر ليس بغريب، فقديما فعل العرب مثل ذلك؛ فلقد كان أكثرهم يعرف الله، ويلجأون مع ذلك إلى تلك الأصنام الضاربة من حول الكعبة، ويقولون "ما نعبدها إلا لتقربنا إلى الله زلفى".
ولا نريد أن ننظر في الشرق القريب، ولا فيما يجاورنا من شعوب إفريقية وحسب، لنضرب بعبادتها الأمثال على ما قدمنا؛ فمن أمامنا أوروبا التي فلسفت تاريخ الأديان، وبحثت في أصولها، حتى بلغوا من ذلك آمادا بعيدة؛ فمدائن أوروبا وقراها ما زالت تمتلئ بآثار القديسين؛ يقصد إليها الناس عند الشدائد، وفي ساعات المحن والكروب، يبتغون عندها الوسيلة إلى الله؛ فصور السيدة مريم، تمتلئ بها كنائس الكاثوليك وهياكلهم؛ يرجون عندها الشفاعة، ويجدون لذلك كثيرا من راحة النفس واطمئنان القلوب.
إنها دائما عادات ومعتقدات الأولين التي تركت أثرها في المحدثين، وكأنها مُورثات سرت في أجسادهم، وأصبحت عند البعض من أساسيات معيشتهم.