Responsive Ads Here

الجمعة، 15 فبراير 2019

الباحث في التاريخ والقضايا المعاصرة


بقلم: د. وائل إبراهيم الدسوقي ..
بعد حصولي على جائزة الدولة التشجيعية لعام 2016 كانت الأسئلة المتكررة التي وجهها ليَّ معظم الصحافيين الذين أجروا معي حوارات على خلفية تلك المناسبة، عن مدى ارتباط الباحث في التاريخ بقضايا بلاده المعاصرة؟ هل يستطيع أن يفيد برأيه بما استفاده من القضايا التاريخية السابقة، أم أنه من المفضل له أن يصمت؟ وهل الحياد ضرورة؟
الحقيقة أنه للإجابة على تلك الأسئلة التي تشغل بال الكثيرين، يجب أن ندرك أن الباحث في التاريخ مهما كان تخصصه الدقيق، فإن دوره في توجيه دفة الرأي في بلاده مهم للغاية، فلا يجب عليه الانفصال عن أحداث وطنه، وأن يداوم على التعبير عن رأيه بوضوح، ويجب عليه أن يلتزم الموضوعية في طرحه ليكون مؤرخا لفترته، حتى وإن لم يلتزم الحياد كما سنوضح لاحقا.
بداية، هناك خلط خاطئ ومقصود بين مهمة الباحث في التاريخ وعمل المؤرخ، فالتأريخ لحدث ما يجب أن يكون وليد لحظة حدوثه، فيأخذ صاحب هذا الفعل لقب مؤرخ لتلك الفترة بمرور الزمن، وقد يكون في لحظه تدوينه باحثا في التاريخ أو كاتبا أيا كانت مهنته، لكنه أخذ على عاتقه تسجيل الحدث ليكون بين أيدي أجيال المستقبل في صورة واضحة، فيستعين باحثي المستقبل برأيه في صياغة دراساتهم، وهو ما يدعونا لإطلاق لقب المؤرخ على أمثال أحمد شفيق باشا وعبد الرحمن الجبرتي ومحمد رفعت ومحمد صبري السوربوني وعبد الرحمن الرافعي، بناء على بعض كتاباتهم التي أرخت لأحداث عايشوها بأنفسهم، حتى العقاد في كتابته عن سعد زغلول وفترته يعتبر مؤرخا. ولذلك لا يجب أن نطلق على أي من المشتغلين في حقل الدراسات التاريخية لقب "المؤرخ"، والذي أصبح يطلق على البعض تفخيما أو مجاملة، أو على أنفسهم تعظيما.
أما الباحث في التاريخ، فمهمته أصعب كثيرا من مهمة المؤرخ، لأنه يدرس أعمال المؤرخين المعاصرين للفترة التي يبحث فيها، ويقارن بينها وبين الوثائق الرسمية، فضلا عن فحصه للدوريات من مجلات وصحف وغيرها من وسائل تداول المعلومات، وهو بذلك يجمع مادته، يفحصها ويحلل ما بها ليصل إلى حقيقة ربما تكون صحيحة من وجهة نظره، ولكن بمنهج علمي سليم. وإذا تعرض لحدث راهن بالنقد أو التأييد، يجب أن يلتزم بضوابط أخلاقية يتناول بها الحدث بشكل موضوعي، ليعد ما دونه مستقبلا تأريخا يمكن الاعتماد عليه.
واختلاف الباحثين في آرائهم يعود في قدر كبير منه إلى اختلاف الطرق والمناهج التي يسلكونها، والتي لا يتدخل شيء في اختيارهم لها إلا طبيعة المشكلات التي يعالجونها، والمادة العلمية التي توفرت لدراستها، فيكون مقياس التوفيق في الدراسات قائم على أمرين: أولهما: دقة تحديده لعناصر منهجه ووضوحها. والثاني: اختيار المنهج المناسب لطبيعة البحث، ومدى التزام الباحث به في معالجة قضاياه ومسائله، ومدى حياديته أو انحيازه للحدث.
ويعتقد البعض أنه لا يجب على الباحث في التاريخ إبداء رأيه في قضية معاصرة، نظرا لوجوب التزامه بما اصطلح على تسميته بقواعد المنهج والتي من الممكن ألا تتوفر في معالجة حدث راهن، كذلك اعتقاد البعض خطأ على ضرورة التزام الحياد التام أثناء إبداء الرأي، سواء في التناول أو عرض النتائج المحتملة. ولكن هل يضمن ذلك الحياد عدم تشابه الرواية المكتوبة في موضوع واحد؟ فعلى سبيل المثال حينما نعرض لتاريخ ثورة يوليو عام 1952، فهل الأفضل أن يكتب ثلاثة من المعاصرين تاريخها بحيادية تامة نابعة من ذلك الالتزام الصارم بعناصر الكتابة المنهجية التي نعرفها، أم أنه يفضل أن يكتب كل منهم وجهة نظره ورأيه الشخصي إن لزم الأمر بكل وضوح، فتتكون أمامنا صورة شاملة عن الحدث (مع، وضد، أو محايد)، فيعتمد عليها الباحث مستقبلا ومقارنة ما بها وطرحها للدرساة والفحص وتأكيد مدى تطابقها مع الوثائق الرسمية من عدمه.
على أية حال، ثمة خطأ شائع يجعل الحيادية شرطا للموضوعية، وعليه يكون تأكيد عدم حيادية الفكرة هو دليل على عدم موضوعيتها، ولكن على الرغم من أن عدم الحيادية قد تصل إلى درجة من عدم الموضوعية، إلا أن الباحث إذا التزم أثناء عرض وجهة نظره الشخصية في قضية معاصرة بمنهج تناول سليم، فقد نقبل حديثه كوجهة نظر أخرى توضع محل النقد والمناقشة، ونأخذ منه قراءة مغايرة للحدث، تتشابه إلى حد كبير مع القراءات التاريخية من خلال المذكرات الشخصية. ولذلك فإننا نرى أن عدم الحياد من الأمور التي لا مفر من حدوثها عند إبداء الرأي في قضية معاصرة بشكل خاص، وفي الكتابة التاريخية بشكل عام. فالذاتية أحيانا تكون طريقا للموضوعية، والمرور الضروري للمعرفة عبر الذات يترك آثار هذه الذات وبصماتها في صياغة شكل المادة التاريخية ومضمونها، مما يجعلنا أمام طرق معالجة ورؤى مختلفة للحدث.
وهكذا، على الباحث الذي أخذ على عاتقه مهمة الكتابة عن قضية معاصرة وإبداء رأيه فيها أن يتسم بالموضوعية الصارمة التي ترتبط في المقام الأول بالصدق البعيد عن التزييف والتفسير الخاطئ، فضلا عن استثمار ما تعلمه من قواعد المنهج العلمي. وإن حمل في صدره أيديولوجية معينة يتبناها ويتحرك في كتابته من خلالها، نتاج انتماء سياسي أو ديني، يجب أن يتسع صدره للرأي الآخر مهما كان حجم الاختلاف، وأن يكون قدوة لغيره ومصدر ثقة دائم.
وأكرر دائما أن الباحث في التاريخ حين يكتب رأيه في قضية معاصرة يجب أن يكتب حقائق، ربما تكون قاسية بعض الشيء، حتى وإن كانت عكس ما يرغب الرأي العام أحيانا، فضلا عن الرد على الحجة بالحجة دون تجريح أو طعن وشتم ودون تلفظ بما يهبط بمستواه وأخلاقه وصورته، ودون هروب من مواجهة، وألا ينظر لناقديه نظرة عداء، وألا يخاف من مراجعة رأيه في موضوع يتعلق بقضايا بلاده باستمرار، فما توفر لديه من مصادر قد تنفيها مستقبلا مصادر أخرى، والمراجعة هنا لا تؤخذ عليه، لكنها تبني عقله ومعرفته في المقام الأول، وحتى يصبح ما يكتبه بمرور الزمن تأريخا موثوقا يمكن الاعتماد عليه.

* نشر بجريدة القاهرة، عدد 887، 18 يوليو 2017