
بقلم: د. وائل إبراهيم الدسوقي ..
أقيمت العديد من اللقاءات العلمية عن مستقبل الطفل العربي، وناقش أغلبها طرق تعليمه القراءة، وكيفية الارتقاء بعقله بتقديم منتج مقروء يساعده على بناء مستقبل مشرق له ولمجتمعه، ومع تعدد الموضوعات التي قدمت خلالها، والتوصيات العلمية التي أعلنت، ولكن حتى الآن لا نجد ما يفيد بأنه تم تفعيلها وتطبيقها بشكل يعطي النتائج المطلوبة.
إن أطفالنا يتعلمون في المدرسة طرق القراءة السليمة ضمن منهج اللغة العربية، وتطرق البعض لسلبيات ذلك في مؤتمرات عديدة، إذ لابد من تدريبهم على قراءة ألوان عدة من المواد، في الأداب والفنون والأحياء والفيزياء والرياضة، فكتاب المطالعة الذي تتشارك فيه كل مناهج التعليم العربي لا يكفي لبناء عقل الطفل في عالم حركته سريعة تفوق حدود إدراكنا.
لقد تعلم الطفل العربي في المدارس أنه يعيش في أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، وازدحم عقله بمبادئ عروبية قومية، وامتلأت دروس القراءة بمقالات عنها، وتمت محاصرته بصور القادة العرب وتعليقاتهم التي زينت جدران الفصول وساحات المدارس وأول صفحة من الكتب الدراسية، فأصبح عقل الطفل العربي محتلا بوجوه واقتباسات من خطب جمال عبد الناصر وحافظ الأسد والسادات والقذافي وبوتفليقة ومبارك وعلي عبد الله صالح وصدام حسين والملك حسين والحسن، وغيرهم ممن تسببوا في تلك الحالة الظلامية التي يعاني منها الآن كل عربي. بالإضافة إلى دروس القراءة البعيدة عن الواقع، مثل "العالم سنة 2000" الذي استمر تدريسه إلى عام 1999، و"الكهرباء في حياتنا" في عالم عرف الكهرباء منذ مائتي عام وانتهى من فهم فائدتها، ودرس "رفيقي الإنسان" في دول تحتوي على أجهزة لا تقدس الإنسانية ولا تحترمها، وأيضا "دعوة إلى الحرية" في مجتمع يخاف فيه المرء التحدث أمام أخيه في السياسة.
على أية حال، وفي إحدى حلقات النقاش حول سلبيات المنتج التعليمي الذي يقدم للطفل العربي، وضع الباحث "أنور فتح الباب" - وهو أحد أساتذة التاريخ المخضرمين في محافظة السويس المصرية - أيدينا على أسباب ازدياد الجهل والتخلف عند الطفل العربي في مراحل دراسته الأولى، والذي من وجهة نظره: "يتلقى أثناء مراحل تعليمه المختلفة رؤيا بانورامية عامة مبتسرة أمام امتداد واسع لفترات تاريخية يدرسها، بالإضافة إلى تقليص المساحة المخصصة لحركات التحرر الوطني والمقاومة، وغياب الرؤى النقدية للشخصيات التاريخية، وغلبة نزعة التمجيد، وإغفال أوجه الضعف والأخطاء، كذلك غياب الحديث عن الجماعات والفرق الإسلامية، وتوضيح أسباب نشوءها تاريخيا، مثل السنة والشيعة"، وهو الأمر الذي يجعله متلقى جاهز لكافة الأفكار المتطرفة. ويرى أيضا أن: "غلبة التاريخ العسكري والغزو في منهج التاريخ ودروس القراءة، تظهر الإسلام وكأنه دين حرب وقتال، ويهمش الجزء الحضاري في العلوم والفنون والآداب، وأيضا غياب تاريخ الفكر الحديث الشرقي والغربي تماما عن مناهج الدراسة، فيجهل الطالب أي معلومات عن حركات التنوير، التي تحمل مبادئ إنسانية أرقى مما يقدم له".
وإلى جانب حاجتنا إلى تطوير المناهج التعليمية التي تصاحب الطفل العربي طيلة مراحله الدراسية، نرى أن الطفل يحتاج أيضا إلى معلم قارئ يكون قدوة لتلاميذه يقرأ لهم ويهديهم الكتاب كجائزة ويسألهم فيه، وأب قارئ يوفر الكتاب لأولاده ويشجعهم على اقتناءه، ومسئولي مناهج يضيفون مادة خاصة للقراءة وحدها، تنفصل تماما عن منهج اللغة العربية.
إن القراءة علم قائم بذاته، مثله مثل اللغة العربية والعلوم والدراسات الاجتماعية والرياضيات، لا تقل عن أي منها، بل ربما تجاوزتها كلها. فأن يقرأ الطفل معناه أنه لن يحدث قط ارتداد إلى الأمية. أن يحسن الطفل القراءة يعني أن تدرس جيدا اللغة والعلوم والأداب والفنون. أن يحب الكتاب يعني ذلك مستقبلا مليء بالثقافة والموسوعية والتقدم. أما حين لا يقبل الطفل على القراءة، فإن ذلك يعني توقف نمو المجتمع كله ثقافيا وتعليميا، وازدياد الجهل والتخلف والانحدار به إلى التطرف والإرهاب. وأخيرا، نؤكد أن الطفل يقرأ حينما يجد من حوله يقرأون.
* نشر في صحيفة العرب اللندنية (عدد 10190، السنة 38، 19 فبراير 2016).