
بقلم: د. وائل إبراهيم الدسوقي ..
كان مسيو "ماسبيرو" مدير الأنتكخانة في مقدمة الذين استقبلوه، إلا أن من عرفوا "ماسبيرو" حق المعرفة شعروا بضيقه وامتعاضه الشديد من الضيف، على الرغم من ابتسامته التي ملأت وجهه وجمل الترحيب المبالغ فيها.
مال "ماسبيرو" على أحد الضيوف الفرنسيين، وقال له:
- ما له منتفخ هكذا، وكأنه لا يرى في الدنيا أعظم منه؟
- نعم يا سيدي، فمنذ أن وصل هذا الأمير الألماني إلى مصر وهو يعامل الجميع بازدراء. حتى الخديو نفسه لم يطق مرافقته واعتذر عن الحضور معه.
حاول "ماسبيرو" أن يكتم ضحكته، إلا أنه استطاع ببراعته المعتادة أن يظهرها وكأنها تبدوا كإعجاب بالضيف. ثم توجه إلى الأمير الألماني ليعرض عليه البدء في القيام بجولة حول آثار الأنتكحانة، التي اجتهد كثيرا هو وسلفه العالم الفرنسي "أوجست مارييت" في جمع مقتنياتها الثمينة، داعياً الله ألا يطلب هذا الأمير المتغطرس أياً من تحف الأنتكخانة ليمتلكها.
ينظر الأمير إلى مسيو "ماسبيرو" نظرة تنم على عدم اهتمامه بعرضه، إلا أنه يرد عليه بجملة قصيرة وبامتعاض:
- هيا فلترشدني إلى أجمل القطع..
يشير "ماسبيرو" إلى رجاله لكي يفتحوا غرفة جانبية تحتوى على مومياوات بعض ملوك مصر، وهو يضمر في نفسه أن يلقن هذا الضيف الثقيل درساً لا ينساه طيلة حياته..
- نعم يا صاحب الجلالة سوف أريك أجمل ما احتوته الأنتكخانة.. تفضل معي..
يسير الأمير على بساط أخضر طويل يؤدي إلى الغرفة المنشودة، وخلفه إلى اليمين القنصل الألماني في مصر، وإلى اليسار مسيو "ماسبيرو"، وخلفهم جموع الحاضرين تترقب ما سوف يكشف عنه مدير المتحف للأمير من تحف أثرية قيمة. والذي يتوقف أمام إحدى المومياوات المستلقية في تابوتها. كان مدون على لوحتها الإرشادية عبارة (مومياء الملك مري إن رع من الأسرة السادسة، الدولة القديمة).
ينظر الأمير إلى مدير المتحف مندهشاً، ويقول:
- أهذه هي أعظم مقتنيات بولاق.. أهذه هي (وهو يشير بامتعاض) تلك الجيفة العفنة؟
ينظر "ماسبيرو" إليه، ويقول مبتسما:
- إن لتلك المومياء يا صاحب الجلالة قصة عظيمة، ومنها تكمن أهميتها. أترغب في أن أروي لك القصة؟
- هات ما عندك أيها الفرنسي..
يأخذ "ماسبيرو" نفساً عميقاً وهو يرمق أحد معاونيه نظرة خبيثة لم يلحظها أحد، ويبدأ في سرد حكاية المومياء للأمير الألماني:
- تبدأ قصة تلك المومياء يا صاحب الجلالة حينما عثر "مارييت باشا" عليها في منطقة أهرامات دهشور المصرية، وكالعادة واحتراما لقوانين البلاد كلف بعض العمال بنقلها إلى الأنتكخانة المصرية في بولاق والتي نقف في رحابها الآن؛ ولما كان لابد لهم من الذهاب بها إلى منطقة مجاورة يطلق عليها اسم "البدرشين" لاستقلال القطار في محطتها، فإنهم لم يجدوا طريقة لاجتياز المسافة بين دهشور ومحطة القطار سوى بوضع جثة الملك العظيم على ظهر حمار.
يقاطعه الأمير قائلاً باندهاش:
- على ظهر حمار ؟
- نعم يا صاحب الجلالة، سيق الملك العظيم على ظهر الحمار، وكانت أطراف موميائه متدلية من كلا جانبيه بشكل مهين.
- وبعد ذلك.. ماذا حدث ؟!
- لما بلغت المومياء محطة البدرشين، وأراد العمال أن يصرح لهم بركوبها على متن القطار، وقع ناظر المحطة في حيرة عميقة، لأنه لم يكن قد سمع بكلمة (مومياء) قبل ذلك؛ فلم يعرف ما هي حينما سموها له. وقال لهم:
- مومياء ؟! ماذا تعني هذه الكلمة ؟ وحتى إن علمت بمعناها، فأنا لا أجد لها تسعيرة، بل ولا حتى أي ذكر ضمن قائمة الأشياء التي يمكن أن تشحن ويدفع لها تعريفة.
ووقع الجميع في حيرة من أمرهم، فالناظر يعطل وصول الملك إلى مرقده الثاني في الأنتكخانة، وقد تتعرض موميائه لأي حادث قد يتلفها. وخلى الناظر بمعاونيه في مكتبه للتشاور في الأمر، وخرج للعمال معلنا النتيجة، قائلاً.
- ما دام ملكاً، فليدفع لكم تعريفة الدرجة الأولى.
يتبادل العمال النظر بين المومياء والناظر، الذي يسرع قائلا:
- وليرافقكم أيضاً في الدرجة الأولى بعد أن يدفع رسم ركوب رفيع المقام.
وأخيرا قطع لهم جميعا تذاكر في الدرجة الأولى، واعتبر المومياء فردا منهم. ولكن لم تنتهي رحلة المومياء الشاقة عند هذا الحد، فلما وصل بها حاملوها إلى كوبري بولاق، وأرادوا أن يجتازوه بها، أوقفهم رجال الدخولية، قائلين:
- إلى أين أنتم ذاهبون ؟ وما هذا الذي يحمله الحمار؟
- إنها يا سيدى مومياء ملك، وذاهبون لتسليمها إلى أنتكخانة بولاق.
وتكرر نفس مشهد محطة البدرشين، فلم يتعرف موظف الدخولية على نوع التعريفة المفترض دفعها عن المومياء، ووقعوا في نفس المأزق. فلم يدروا ما هي ولا في أي صنف من أصناف لائحتهم تقع؛ حتى فتح الله على أحدهم، فقال:
- ألا ترون أنها فسيخة؟
فقال رفاقه:
- حقا ! هي فسيخة !
واستطرد "ماسبيرو" قائلاً:
- وهكذا قرروا أن يؤخذ عليها مكس فسيخة، ومرت بسلام على ظهر الحمار حتى وصلت إلى مقرها هذا. فلتنفخ العظمة البشرية يا صاحب الجلالة أوداجها، فما أحرى بملك يمتهن في بلاده بعد موته بعد أن كانت الجباه تحنو لجلالته؛ والقلوب قبل الأبصار ترجف خشوعا لهيبته، ولو عرفوه كما عرفوا من قبل بناة الأهرام لخروا أمامه ساجدين احتراما لعظمته، وإجلالا لأعماله العظيمة، فالعظيم عظيم بذكراه، وليس بغطرسته واحتقاره لبني جنسه.
نظر الأمير للجموع وضحك ضحكة مجلجلة، وضحك الحاضرون لضحكته، وكأن حديث "ماسبيرو" لا يعنيه في شيء، ولم يفهم مغزاه.. واستكمل جولته.
* الصورة لساحة متحف بولاق القديم..