.jpg)
بقلم: د. وائل إبراهيم الدسوقي ..
الديمقراطية.. هي الحرية السياسية.. هي السيادة على أساس المبدأ الحر. نشأت كنظام سياسي في أوروبا حتى تجاري به سير تطور المجتمع الحديث، تستكمل به مستلزمات بناء الفردية الحديثة. ومع الديمقراطية.. نشأت الأحزاب، فلا ديمقراطية مطلقاً بغير أحزاب.
لم تعرف مصر الديمقراطية والأحزاب كفكرة سياسية، وإنما عرفتها منذ أن عرفت النضال القومي، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، من خلال الممارسة القومية لاستخلاص حقوق السيادة من الحاكم المستبد.
ولما كان الأمر أكبر من أن يحققه فرد كان لابد منذ البداية من التجمع السياسي والشعبي. ولقد بدا ذلك أولاً في تجمعات سرية، وما لبث أن تجلى في حزب قومي بقيادة الجيش عام 1881 في عهد الخديو توفيق لاستخلاص حقوق السيادة، فاستطاعت مصر بهذا أن تحقق تجربة في الديمقراطية، على أساس المبدأ الحر، وكان ذلك فجر الديمقراطية النيابية في مصر الحديثة.
ومع نكسة النظام الجديد باحتلال بريطانيا لمصر في عام 1882، لم تختر بريطانيا لمصر نظاما بديلا إلا ما يحقق أهدافها من مصر، ويمكنها من السيطرة عليها، فلم تلبث مصر أن بعثت على يد أحرارها من أجل النضال القومي من جديد، وقد مضوا بها مناضلين من أجل الحرية السياسية والاستقلال معاً، وهكذا ظهرت الأحزاب السياسية في تشكيل جديد وبرامج جديدة وأسلوب جديد.
كان النضال القومي في بدايته، مركزا حول السيادة الخارجية، ولكن مع بداية تطور المجتمع المصري في مطلع القرن العشرين، وظهور طبقة متطلعة من المثقفين، وتوغل الاستعمار البريطاني وسيطرته على جزئيات السيادة الداخلية والخارجية، كان لابد أن ينتظم النضال فيأخذ شكل العمل من أجل السيادة الداخلية والخارجية. ومن ثم كانت أغلب برامج الأحزاب في مطلع القرن العشرين في نضال من أجل العمل القومي والديمقراطية الليبرالية على السواء.
وقد ظلت الأحزاب السياسية تقود ركب النضال القومي السياسي، وتضطلع به حتى مني ذلك النضال القومي بالتجزئة بعد تصريح 28 فبراير 1922، في الوقت الذي تحررت فيه السيادة الداخلية إلى حد ما، وأخذ النفوذ البريطاني ينحسر عنها، ولم يبق سوى تنظيمها سياسيا لتحديد العلاقة بين الفرد والحكومة في دستور جديد، وبهذا بدت الأحزاب السياسية في شكل جديد تتسم ببرامج ديمقراطية لتنظيم السيادة الداخلية، وعندئذ أيضا بدت النزعة الحزبية، والحياة البرلمانية أوضح، وراح النظام الحزبي يأخذ شكله الحديث والحياة البرلمانية تسير سيرا تحاول به إنصاف المذهب الفردي الحر، وإن ظل الطريق نحو المسالة القومية واضحا، ويتخذ العديد من السبل.
ومن هذا التاريخ، كان المنطلق لعهد جديد في الحياة الديمقراطية الحزبية، يغلب وجه الحياة السياسية، ويعبر عنها في حرية من التعبير تتعدد أدواته، وتختلف في احتدام من أجل حرية الفرد واستقرار مصر.
وظلت الأحزاب تؤدي دورا فاعلاً في الحركة الوطنية المصرية رغم اللغط الذي دار حول نشاط بعضها حتى قامت ثورة يوليو 1952، التي ما أن سيطرت على أمور البلاد حتى حلت جميع الأحزاب السياسية. وكانت بداية تجربة نظام الحزب الواحد ثم المنابر، ثم أعادت تجربة التعددية الحزبية شريطة ألا تتعارض مبادئ أي حزب عند تأسيسه مع مبادئ الشريعة الإسلامية، ومبادئ ثورة يوليو وحماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي والحفاظ على النظام الديمقراطي. وألا يقوم الحزب على أساس طبقي أو ديني أو طائفي أو جغرافي. وأن تكون أهداف الحزب ومبادئه ومصادر تمويله علنية.
لقد كان (الاتحاد القومي) هو التنظيم السياسي الذي أنشأته ثورة يوليو في أول عهدها بديلاً لهيئة التحرير. وكان هدف الاتحاد تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها الثورة، وحث الجهود على بناء البلاد بصورة سليمة من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن تلك الأهداف أيضا: تقليص الفوارق بين طبقات الشعب والقضاء على الإقطاع، وإقامة حكومة تعمل لمصلحة الشعب وتكوين جيش وطني وطرد المستعمر. وقد حُلَّ الاتحاد القومي ليحل مكانه (الاتحاد الاشتراكي العربي) عام 1962.
وأعلن الرئيس الراحل "جمال عبد الناصر" تأسيس الاتحاد الاشتراكي في 4 يوليو 1962، ليكون التنظيم السياسي الشعبي الذي تتحالف فيه قوى الشعب العامل من جميع الطبقات. وقد جاء بديلاً للاتحاد القومي. ونصّ قانون الاتحاد على أن هذا التنظيم هو "الطليعة الاشتراكية التي تقود الجماهير وتعبِّر عن إرادتها وتوجِّه العمل الوطني، وتقوم بالرقابة الفعّالة على سيره وخطه السليم في ظل مبادئ الميثاق".
وقد تكون الاتحاد الاشتراكي من أعضاء عاملين وأعضاء منتسبين. ألفت الفئة الأولى الوحدة التأسيسية بالقرية مثلاً، وكان للأعضاء المنتسبين أن يتحولوا إلى أعضاء عاملين. الأعضاء العاملون هم الذين لهم حق الترشيح على جميع المستويات في حين يكون الانتخاب حقا لجميع الأعضاء الباقين. وقد بلغ أعضاء الاتحاد الاشتراكي العربي عند إنشائه ستة ملايين.
في عام 1974، أعلن الرئيس الراحل "محمد أنور السادات" خطة جديدة أساسها أن تصبح عضوية الاتحاد اختيارية، وأن يسمح في الانضمام إليه بالعضوية الجماعية للنقابات، وأن يسمح بنشوء منابر سياسية متميزة بداخله تحولت فيما بعد إلى ثلاثة أحزاب أساسية (اليمين، الوسط، اليسار). وقد حذت حذو مصر في إقامة الاتحاد الاشتراكي العربي كل من ليبيا والسودان كما وجدت تجمعات سياسية تحمل هذا الاسم في سوريا ولبنان.
وفي عام 1974، تحولت المنابر الثلاثة التي أنشأها السادات، والتي كانت تسمى (اليمين، الوسط، اليسار)، نحو التعددية الحزبية التدريجية، وتألفت منها أحزاب: (حزب الأحرار اليميني)، و(حزب التجمع اليساري)، و(حزب مصر العربي الاشتراكي)، وكان الأخير يمثل الحزب الحاكم بقيادة الرئيس السادات. وفي عام 1976، أعلن السادات إنشاء (الحزب الوطني الديمقراطي) تيمنا بالحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل (1874 - 1908)، وتولى قيادة الحركة الوطنية ضد الاحتلال الإنجليزي.
وانضم أعضاء (حزب مصر العربي الاشتراكي) إلى الحزب الوطني، الذي أصبح الحزب الحاكم، وترأسه الرئيس السادات ثم الرئيس الراحل "محمد حسني مبارك". وفي أواخر الثمانينيات من القرن العشرين ألغي مبارك الاتحاد الاشتراكي العربي، وتمت الموافقة على تكوين الأحزاب بشروط محددة.
إن الأحزاب التي عملت بموجب قرار الرئيس الراحل خلال العشرين سنة الماضية هي: الحزب الوطني الديمقراطي، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، حزب الأحرار الاشتراكيين، حزب العمل الاشتراكي (توقف نشاطه)، حزب الوفد الجديد، حزب الأمة، الحزب العربي الاشتراكي، الحزب الاتحادي الديمقراطي، حزب الخضر المصري، الحزب العربي الديمقراطي الناصري، حزب العدالة الاجتماعية وحزب التكافل.
وعلى الرغم من كثرة الأحزاب المصرية، إلا أن الحزب الوطني الديمقراطي نجح في الاحتفاظ بغالبية مقاعد البرلمان المصري، وعددها 454 مقعدا في الانتخابات التي أجريت أعوام 1979، 1984، 1987، 1990، 1995، بنسب تراوحت بين 80 و95% وبنسبة 70% عام 2000. وفي انتخابات عام 2005 انخفضت كتلته إلى 311 مقعد، ثم فاقت كل الحدود والتوقعات في انتخابات مزوره قادها الحزب الحاكم في عام 2010.
لقد قام الحزب الوطني بذبح المصريين وامتصاص دمائهم، فانتشر الفساد على يد أعضائه، على الرغم من تأكيد الحزب في برنامجه على المساواة بين كل المصريين، ورعاية محدودي الدخل، وتنشيط الممارسة الديمقراطية، وتشجيع رجال الأعمال والانحياز للطبقات الفقيرة. وفي السياسة الخارجية، أكد برنامج الحزب على عدم الانحياز، وتحقيق المصالح العربية المشروعة، وتطوير التعاون مع الدول الصناعية الكبرى. وبالطبع كانت تلك المبادئ على أرض الواقع بعيدة المنال، فعمل الحزب وأعضائه على امتصاص دماء مصر لآخر قطرة، ونشر المفاسد والتعامل مع مصر كأنها ملكية خاصة بالحزب لا يشترك فيها معهم سكان مصر.

وبانتفاضة شعب أراد الحرية، قامت ثورة 25 يناير 2011، تلك الثورة التي أطاحت بالنظام المصري، وأمسك فيها المسلم والمسيحي بيد بعضهما ليشكلا قبضة واحدة ضد الظلم والقهر، ضد نظام فرط فى الاستقلال الوطنى وأضاع السيادة الوطنية، بأن جعل سياسة مصر الخارجية تابعة للاستراتيجية الأمريكية، وجعل سياسة مصر الاقتصادية تابعة لتوجيهات صندوق النقد الدولى والبنك الدولى، وباع القطاع العام للأجانب بأبخس الأثمان وهو ثروة مصر القومية التى بناها الشعب بكده وعرقه على مدار عشرات السنين، وهى سياسات أدت الى إفقار الشعب المصرى، نظام يتحمل مسئولية سياسات أدت إلى معيشة 48% من السكان تحت خط الفقر، ومعاناة 29% من البطالة، و11 مليون شاب وشابة من العنوسة. نظام ضحى بكرامة المصريين لصالح بناء سلالة من الرؤساء.. وبإرادتنا نحن شعب مصر، استطعنا القضاء على أحلامهم وإلى الأبد، ومعاً لتحقيق الحلم المصري، بناء دولة القانون..
الثورة أمانة .. صوتك للثورة
---------
حقوق الصور محفوظة لأصحابها